
في خريف عام 2025، وخلال زيارة إلى بلدة حرستا المدمرة شمال دمشق، وصف وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول حجم الدمار هناك بأنه “يذكرنا بالصور التي شهدناها في ألمانيا عام 1945”. غير أن هذا التصريح قوبل سريعاً بانتقادات من داخل حزبه، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، حيث اعتبر عدد من قياداته أن الدمار “لا يشكل حجة ضد العودة الطوعية أو حتى الإجبارية”، مؤكدين أن على المواطنين أنفسهم مسؤولية إعادة إعمار بلادهم. وقد عكست هذه الحادثة جانباً من تحول أوروبي أوسع في مقاربة ملف اللاجئين السوريين، بات يميل إلى الدفع نحو ما يوصف بـ “حل نهائي” للأزمة، يقوم عملياً على الإعادة القسرية، وإن جرى تغليفها بخطاب سياسي يتحدث عن “الطوعية” و”المسؤولية”.
تحول السياسات الأوروبية من الحماية إلى الإعادة
بعد سنوات من منح الحماية الدولية لغالبية السوريين المتقدمين بطلبات لجوء، تشهد السياسات الأوروبية تغيراً جذرياً. فمع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، بدأت دول أوروبية عدة، من بينها الدنمارك والسويد وألمانيا والنمسا، بتعليق فحص طلبات اللجوء الجديدة وإعادة تقييم أوضاع السوريين المقيمين لديها. ورغم أن التطورات السياسية خففت من خطر الاضطهاد المباشر لمعارضي النظام السابق، إلا أن وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء حذّرت من أن الوضع في سوريا “محسّن لكنه متقلب”، مؤكدة أن “العنف العشوائي لا يزال مستمراً” في أجزاء من البلاد.
هذا التحذير لم يمنع دولاً مثل بلغاريا من تصنيف سوريا كـ “بلد آمن” إلى حد كبير، ما أدى إلى رفض أكثر من ألف طلب لجوء خلال الربع الأول من عام 2025 فقط، الأمر الذي جعل أصحاب هذه الطلبات عرضة للترحيل الفوري أو لما يُسمى بـ “العودة الطوعية”.
وفي ألمانيا، أعلنت وزارة الداخلية أن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، وفي إطار مراجعة واسعة لقرارات لجوء تعود لآلاف السوريين، قام بسحب الحماية أو الإقامة من 552 شخصاً. وأفادت صحيفة “بيلد” بأن التدقيق يتركز على فئات محددة، تشمل مرتكبي الجرائم، والأشخاص المصنفين كمصدر تهديد أمني، إضافة إلى من دخلوا سوريا مؤقتاً خلال الفترة الماضية.
كيف تتحول “الطوعية” إلى إكراه؟
على الرغم من الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن “المساعدة في العودة الطوعية”، تكشف الممارسات الميدانية، ولا سيما في دول مثل بلغاريا، عن آليات قسرية واضحة. إذ يتم احتجاز طالبي اللجوء المرفوضين ووضعهم أمام خيارين: إما التوقيع على “موافقة طوعية” للعودة، أو البقاء في الاحتجاز لفترات قد تصل إلى 18 شهراً، خصوصاً في حال تصنيفهم كـ “تهديد للأمن القومي”.
كما يقوم موظفو وكالة حرس الحدود الأوروبية (فرونتكس)، بتمويل من المفوضية الأوروبية، بعقد مئات الجلسات “الإرشادية” مع المحتجزين، بهدف تشجيعهم على “الاختيار” الطوعي للعودة. وتصف منظمات حقوقية هذه الجلسات، التي تُعقد في ظروف احتجاز صعبة، بأنها شكل من أشكال “الإكراه النفسي”. وبما أن هذه العمليات تُصنف رسمياً كـ “طوعية”، فإنها لا تخضع لرقابة إلزامية من المؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان. وقد وردت أيضاً تقارير عن استخدام العنف الجسدي ضد من يحاولون مقاومة الترحيل.
أما في ألمانيا، فتتخذ الضغوط شكلاً مختلفاً، إذ أعلنت السلطات أن السوريين الذين يسافرون لزيارة وطنهم قد يفقدون “وضع الحماية” الخاص بهم، باستثناء حالات ضيقة جداً مثل زيارة قريب يحتضر، ما يحرم اللاجئين من إمكانية القيام بزيارة استطلاعية لتقييم الأوضاع قبل اتخاذ قرار العودة.
وبالتوازي، قدمت عدة دول أوروبية، بدرجات متفاوتة، حوافز مالية وإجرائية لتشجيع العودة “الطوعية”، شملت مساعدات نقدية محدودة وتسهيل إجراءات السفر. ففي ألمانيا، قد تصل المساعدات المقدمة للعائدين إلى 4000 يورو للعائلة، تشمل بدل سفر بقيمة 200 يورو للبالغين و100 يورو للأطفال، إضافة إلى تغطية التكاليف الطبية عند الضرورة حتى 2000 يورو. غير أن مفهوم “الطوعية” يظل موضع تشكيك واسع عندما يُطرح في سياق عام معادٍ للهجرة، وتحت تهديد فقدان حق الإقامة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وفي السياق ذاته، تقوم الحكومة الألمانية بتمويل تجهيز مبنى القنصلية السورية في مدينة بون تمهيداً لافتتاحها. وبحسب تقارير رسمية، يندرج هذا الإجراء ضمن مساعي الحكومة لتفعيل مشروع إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم. وقد أفاد المشرف على تجهيز المبنى، عبد السلام المرعي، بأن الأعمال الفنية والهندسية وصلت إلى مراحلها الأخيرة، ولم يتبق سوى اللمسات النهائية، وفق ما نقلته وكالة “سانا”.
فجوة واسعة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني
في مقابل هذا التصوير الأوروبي لسوريا كبلد بات جاهزاً لاستقبال مواطنيه، تشير التقارير الميدانية إلى واقع مغاير تماماً. فلا تزال سوريا تعيش كارثة إنسانية مستمرة، إذ يعتمد أكثر من 90% من السكان على المساعدات الإنسانية، فيما يعاني الاقتصاد والقطاعان التعليمي والصحي من دمار واسع. وتقدّر نسبة البطالة بأكثر من 60%، بينما يعيش نحو ثلثي السكان تحت خط الفقر. وأفاد عائدون بأن إيجار منزل غير مكتمل البناء قد يصل إلى 120 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ مرتفع قياساً بمداخيلهم.
كما تكشف تقارير عن عوائق بنيوية أمام العودة، أبرزها أزمة السكن والملكية، حيث دُمر أو تضرر نحو 1.3 مليون وحدة سكنية، أي ما يقارب ثلث المخزون السكني في البلاد. وفقد العديد من اللاجئين وثائق ملكية منازلهم، بينما صودرت أملاك آخرين بموجب قوانين استُخدمت خلال الصراع، ما يجعل استعادتها أمراً بالغ الصعوبة. ويطرح ناشطون تساؤلات حول كيفية عودة من فقدوا أقاربهم إلى مجتمعات قد يواجهون فيها أشخاصاً يُشتبه بضلوعهم في تلك الجرائم، في ظل غياب أي مسار فعلي للعدالة الانتقالية أو المساءلة.
وتشهد البلاد كذلك مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الأمني، إذ وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان خلال شهر كانون الأول وقوع سلسلة من الجرائم العنيفة في عدة محافظات، أسفرت عن مقتل 18 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، نتيجة خلافات عائلية وثأرية واستهدافات مجهولة، ما يعكس تصاعداً في حوادث العنف وانتشار السلاح غير المنضبط.
ويضاف إلى ذلك تنامي نشاط التيارات الإسلامية المتشددة، واستعادة تنظيم داعش لنشاطه في مناطق متفرقة مستفيداً من فراغ السلطة واليأس الاجتماعي، إلى جانب استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، التي أوقعت قتلى وجرحى بين المدنيين، من بينها مقتل 13 مدنياً في هجوم استهدف بلدة بيت جن جنوب البلاد أواخر الشهر الماضي.
أوروبا واستراتيجية التخلي المبرمج عن سوريا
يرى الباحث في شؤون الهجرة في مركز تورونتو الدولي، الدكتور كامل مارتيني، أن العقلية السياسية التي غذّت الصراع السوري هي ذاتها التي تقود اليوم سياسات “الحلول النهائية” عبر الترحيل. ويؤكد أن الوعود الأوروبية بإعادة الإعمار والمساعدات تتبع منطقاً مرحلياً، بوصفها أدوات تفاوض مؤقتة تهدف إلى تسهيل الترحيل، لا التزاماً تنموياً طويل الأمد.
ويشير مارتيني إلى نموذج الصومال، مستشهداً بتصريحات وزير التعاون الإنمائي والمساعدات الخارجية السويدي بنيامين دوسا، الذي وعد بتقديم مساعدات بقيمة 100 مليون كرونة سويدية مقابل موافقة مقديشو على استقبال 25 مواطناً صومالياً، معتبراً أن هذا النموذج يعكس منهجية مؤسسية داخل الاتحاد الأوروبي، تقوم على مقايضة الأموال والمشاريع التنموية بقبول إعادة المهاجرين.
ويحذر الباحث من أن التخلي عن الوعود لن يكون مفاجئاً، بل سيتم تدريجياً عبر ثلاث مراحل: مرحلة الترويج والربط المباشر قبل الترحيل، حيث تبرز الوعود بأبهى صورها؛ ثم مرحلة التنفيذ الجزئي والمماطلة أثناء الترحيل؛ وأخيراً مرحلة إعادة التوجيه والنسيان بعد اكتمال عمليات الإعادة، حين تُعاد ترتيب الأولويات وتُحوّل الأموال المخصصة لسوريا إلى أزمات أخرى.
ويخلص التقرير إلى أن النتيجة النهائية لهذه السياسات ستكون خسارة مزدوجة للسوريين: خسارة الأمان النسبي الذي وجدوه في المنفى، وعودتهم إلى وطن لا يزال غارقاً في الدمار، ولكن هذه المرة دون الضغط السياسي الدولي الذي كان يسلّط الضوء على مأساتهم.
صحافي و كاتب سياسي_ د. مناف سعد






