
على الرغم من استمرار حالة الاضطراب الأمني والضبابية السياسية التي تعصف بسوريا، والتقارير الدولية التي تُحذّر من تدهور الوضع الأمني والإنساني، وبالتزامن مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وتجدد الاشتباكات في مناطق عدة، تتجه بوصلة السياسات الأوروبية بشكل متسارع نحو فرض واقع جديد عنوانه العريض “الترحيل القسري للسوريين”، في خطوة تُثير جدلاً حقوقياً وإنسانياً واسعاً.
فقد كشفت تحركات دبلوماسية وتشريعية متزامنة في كل من ألمانيا، بريطانيا، الدنمارك، هولندا، والنمسا، عن إصرار هذه العواصم على المضي قدماً في خطط إعادة اللاجئين السوريين، في خطوة يرى فيها حقوقيون انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية، وقفزاً فوق حقائق الواقع السوري.
وتأتي هذه الخطط في وقت تُظهر فيه الحكومات الأوروبية تحولاً نحو سياسات هجرة أكثر تشدداً، مدفوعة بضغوط سياسية داخلية وتمسكاً بخطاب يُرجع ذلك إلى “تحسّن الظروف” في بعض المناطق السورية.
بريطانيا: خطط ترحيل قيد الدراسة وآلاف العائلات في حالة خوف وترقب
حيث كشفت وثائق حصلت عليها صحيفة “نيو أراب” أن وزارة الداخلية البريطانية تدرس حالياً استئناف برنامج الترحيل القسري للسوريين، وذلك بعد تعليق سابق للقرارات المتعلقة بطلبات اللجوء في ديسمبر 2024 عقب سقوط نظام الأسد. وبحسب مصادر داخل الوزارة، يتم حالياً مراجعة حوالي 3500 طلب تمديد إقامة للسوريين، مع إشارة تقديرات شبه رسمية إلى وجود 6500 طلب معلق.
وتؤكد السلطات البريطانية أن معالجة الطلبات تسير “حسب الترتيب الزمني”، دون أولوية للظروف الصحية أو العائلية، كما أشارت إلى أن عمليات الترحيل ستراعي “الوضع الأمني في سوريا وقت الترحيل”. غير أن هذه الوعود لا تُهدئ مخاوف العائلات السورية، مثل اللاجئ “أ.ج” (32 عاماً) من درعا، الذي ينتظر منذ أكثر من 13 شهراً قرار تجديد إقامته، ويقول لوكالة الأنباء الوطنية (TNA): “نخشى قراراً مفاجئاً يُزعزع استقرار حياتنا”. مشيراً إلى أن المساعدات المالية المحتملة للعودة لن تكفي لضمان أمانهم في ظل وضع أمني هش، خاصة في مناطق مثل درعا.
ألمانيا: دعوات للحوار مع دمشق بنية ترحيل اللاجئين وتصريحات مثيرة للجدل
على الجانب الآخر من القناة، تتصدر ألمانيا المشهد الأوروبي الداعي إلى “تطبيع” عودة السوريين. فقد أعرب المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن أمله في أن يزور الرئيس السوري أحمد الشرع برلين “في المستقبل القريب”، وذلك لمناقشة ملفي مكافحة “قسد” و”عودة اللاجئين”. وفي تصريحات سابقة، قال ميرتس: “لقد انتهت الحرب الأهلية في سوريا. لم يعد هناك الآن أي أسباب للجوء في ألمانيا”، مؤكداً أن بلاده “ستواصل ترحيل السوريين… هذه هي الخط
وزاد وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت من وضوح الموقف بالإعلان عن عزم برلين إبرام اتفاق مع سوريا لترحيل “اللاجئين السوريين وطالبي اللجوء المرفوضين قبل نهاية العام الحالي”. وجاءت تصريحات وزير الخارجية يوهان فاديفول في البرلمان الألماني لتؤكد أن ألمانيا لها “مصلحة في إعادة بناء سوريا”، وأنها تحتاج إلى إعادة “السوريين المدانين بجرائم”.
وتُظهر الأرقام الرسمية حجم الملف في ألمانيا، حيث بلغ عدد السوريين فيها نهاية 2023 نحو 973 ألفاً، بينهم حوالي 712 ألفاً يبحثون عن الحماية. وعلى الرغم من أن جزءاً كبيراً من المجتمع السوري في ألمانيا أصبح مُنتجاً ومندمجاً (حصل نحو 200 ألف على الجنسية)، إلا أن الخطاب السياسي، خاصة مع صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف، حوّل قضية اللاجئين إلى “ورقة انتخابية” تدفع الحكومة الحالية نحو تشديد سياستها.
تنسيق أوروبي ومساعٍ “لإعادة اللاجئين طوعاً وقسراً”
وتشير التقارير إلى تنسيق بين بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية، منها ألمانيا وهولندا والنمسا وبلجيكا وجمهورية التشيك، حول برامج “العودة الطوعية والقسرية”. وقد بدأت بعض هذه الدول عمليات ترحيل طوعي، رغم أن الأعداد المُعادَة حتى النصف الأول من 2025 كانت “صغيرة” حسب المصادر. لكن القلق الحقوقي يكمن في التحول من “الطوعية” إلى “القسرية”، وهو ما تظهر مؤشراته في الخطط البريطانية والألمانية المعلنة.
انتهاك للقانون الدولي ومبدأ “عدم الإعادة القسرية”
وفي هذا السياق، الاندفاعة الغربية تصطدم بحقيقتين دامغتين، الأولى ميدانية والأخرى قانونية. ميدانياً، تقر برلين نفسها بأن الوضع لا يزال معقداً، بدليل تأجيل زيارة الرئيس الشرع بسبب المعارك مع “قسد”، وتأكيد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول على ضرورة مناقشة “قضايا حساسة” تتعلق بالسيطرة على الأرض. هذا الاعتراف الضمني بعدم الاستقرار يتناقض جذرياً مع السردية المعلنة بأن سوريا “آمنة للعودة”. أما قانونياً، فإن خطط الترحيل القسري تضع الدول الغربية في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية. وتُجمع المنظمات الحقوقية على أن أي عملية إعادة قسرية في ظل الظروف الراهنة تعد انتهاكاً للمادة (33) من اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951.
في السياق ذاته، يُحذّر خبراء قانونيون ودُعاة حقوق إنسان من أن هذه الخطط قد تُشكل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، وخاصة “اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 (وتحديداً المادة 33)”، والتي تحظر إعادة أي لاجئ “بأي شكل من الأشكال إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددة بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية”. كما يُعد مبدأ “عدم الإعادة القسرية (non-refoulement ) من المبادئ الأساسية في القانون الدولي العرفي والقانون الجنائي الدولي، الذي يحظر إعادة الأشخاص إلى بلدان قد يتعرضون فيها للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو الحرمان من الحياة.
وفي هذا الصدد، يقول بعض المحاميين الدوليين المتخصصين في شؤون اللجوء: “حتى لو سقط نظام الأسد، فإن التقارير الموثوقة لمنظمات مثل الأمم المتحدة والمفوضية السامية لحقوق الإنسان لا تزال تُسجل انتهاكات منهجية في سوريا، بما في ذلك الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والاختفاء القسري. إعادة الأشخاص قسراً إلى مثل هذه البيئة يُعرضهم لخطر داهم وينتهك التزامات الدول المضيفة بموجب القانون الدولي”.
وبينما تتصاعد الأصوات الأوروبية الداعية إلى “إغلاق ملف اللجوء السوري”، تُعلق آلاف العائلات السورية في أوروبا بين مطرقة الخوف من عودة قسرية إلى أوطانهم التي لم تستقر بعد، وسندان تأخر البتّ في مصيرهم القانوني. القضية لم تعد إنسانياً فحسب، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لالتزام الدول الأوروبية بالمواثيق الدولية التي كانت من أبرز داعميها. والسؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: هل ستُقدم المصالح السياسية الداخلية قصيرة المدى في أوروبا على الحماية الدولية لحياة آمنة للاجئين؟
صحافي و كاتب سياسي_ د. مناف سعد






