تجدد موجات النزوح في سوريا في ظل تشديد أوروبا سياسات الترحيل القاسية

مع تصاعد الاشتباكات بين الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية في الشمال السوري، تشهد البلاد موجة جديدة من النزوح الداخلي والخارجي وسط فوضى أمنية وأزمة اقتصادية خانقة. وفي تناقض صارخ مع هذه المعاناة المتجددة، تستمر الدول الأوروبية في تشديد سياساتها وتنفيذ خطط جادة لترحيل اللاجئين السوريين، مستغلة التحولات السياسية الأخيرة لتبرير إجراءات تتعارض مع مبدأ “عدم الإعادة القسرية.”
دوامة عنف تدفع بموجة نزوح جديدة
تسببت الاشتباكات العنيفة التي اندلعت بين فصائل مسلحة تابعة للحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في أحياء حلب الكردية (الشيخ مقصود والأشرفية) وفي محور دير حافر، بموجة نزوح ضخمة جديدة داخل حلب، اضطر خلالها آلاف المدنيين لمغادرة منازلهم خلال ساعات. وبحسب تقرير للأمم المتحدة صدر في التاسع من الشهر الجاري فقد وصل عدد النازحين من مناطق الاشتباكات في حلب الى حوالي 148 ألف شخص.
هذا المشهد ليس سوى حلقة محلية من “موجة النزوح الجديدة من سوريا” الأوسع، التي يدفع بها تصاعد العنف في الشمال والشمال الغربي. وكل قذيفة وكل اشتباك يُترجم عملياً إلى عائلات تهرب من ديارها، مما يضاعف من حجم الأزمة الإنسانية القائمة.
كما أفادت مصادر حقوقية عن استمرار المجازر والاعتقالات التعسفية ضد أفراد من الأقليات الدينية في مناطق مختلفة من البلاد، مما يزيد من تعقيد المشهد الاجتماعي والأمني، ويعد استمراراً لموجات العنف الطائفي الممنهج التي طالت الأقليات، ولا سيما العلويين والدروز في العام المنصرم.
يُشار الى تعرض مدنيين علويين في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة لهجمات منظمة في مارس الماضي، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1426 شخصاً. فيما أشارت تحقيقات إلى تورط فصائل مسلحة تم دمجها في قوات الحكومة المؤقتة، ووصفت الأمم المتحدة هذه الانتهاكات بأنها ترقى إلى جرائم حرب. كما واجهت الأقلية الدرزية، عمليات تصفية دموية في أبريل ويوليو، حيث قُتل 2000 مدني وفق بعض التقديرات. ووثقت تقارير انتهاكات مروعة شملت إعدامات ميدانية وتمثيلاً بالجثث، مما دفع أكثر من 128500 شخص للنزوح.
في سياق آخر، ذكرت تقديرات بنهاية عام 2025، بأن 16.5 مليون شخص داخل سوريا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية مع عدم تلبية سوى 22% من الاحتياجات المالية للمساعدات الدولية.
وتشكل هذه العناصر مجتمعة دافعاً قوياً لسوريين جدد لركوب قوارب الموت بحثاً عن أمانٍ بعيد المنال، مما يذكر بموجات النزوح الجماعي السابقة. هذا الواقع الميداني يصطدم بشكل فاضح مع الرواية السياسية الأوروبية السائدة عن “استقرار” الأوضاع في سوريا.
أوروبا تُحوّل ظهرها من الحماية إلى الترحيل
على الجانب الآخر من البحر المتوسط، يتحول الموقف الأوروبي بشكل جذري من سياسات الاستقبال إلى إجراءات تصعيدية قاسية، مبررة إياها بتغيير النظام السياسي في دمشق نهاية عام 2024. وقد قادت ألمانيا والنمسا والسويد هذه الموجة. حيث أعلنت ألمانيا ترحيل أول سوري إلى دمشق مباشرة في ديسمبر 2025، وذلك بعد توقف دام منذ عام 2011، ووقعت اتفاقاً مع الحكومة السورية لترحيل “المجرمين والأفراد الخطرين بشكل منتظم”. كذلك، أصدرت النمسا تعليماتها لإعداد برنامج ترحيل منظم، بينما باشرت السويد إجراءات مشابهة.
إضافة الى ذلك، يعمل الاتحاد الأوروبي على إستراتيجية خمسية جديدة للهجرة واللجوء تضع عمليات العودة والإعادة في قلب أولوياتها السياسية. ويتضمن “ميثاق الهجرة واللجوء” الذي يدخل حيز التنفيذ في يونيو 2026، إجراءات حدودية سريعة وتوسيع مفهوم “مراكز العودة” في دول خارج الاتحاد لتسهيل ترحيل طالبي اللجوء المرفوضين. كما تدرس المفوضية قوانين جديدة تفرض “عواقب جسيمة” على المرفوضين الذين لا يتعاونون مع عمليات العودة.
خطاب “الأمان” مقابل واقع “الخطر”
يقع التناقض الأساسي في صلب الخطاب السياسي الأوروبي، بين الرواية الرسمية والواقع الميداني. حيث تروج الحكومات، خاصة في ألمانيا، لفكرة أن الحرب في سوريا “انتهت” ولم يعد هناك أسباب للجوء. كما تسعى لتصنيف أجزاء من سوريا كـ”دولة آمنة” أو “مناطق آمنة” لتسريع عمليات البت في الطلبات والترحيل.
بينما تصف تقارير أممية الوضع الأمني في سوريا بأنه “هش ومتشظٍ” في جميع المناطق، مع انتشار ميليشيات مسلحة غير منضبطة وعمليات عنف مستمرة. بالإضافة إلى ذلك، إن الأزمة الاقتصادية والمعيشية الكارثية المتضمنة فقدان الليرة السورية قيمتها وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، تخلق بيئة غير قابلة للحياة، خاصة للعائدين الذين سيواجهون صعوبات جمة في توفير الاحتياجات الأساسية.
يُضاف إلى ذلك الاستهداف المستمر للأقليات الدينية والاشتباكات مع الأكراد، الذي يزيد من تعقيد المشهد الأمني والاجتماعي، مما يجعل فكرة “المناطق الآمنة” افتراضية وخطيرة.
الأطفال والفئات الهشة
تستهدف سياسات الترحيل القاسية، بشكل خاص، الفئات الأكثر هشاشة. حيث أشارت تقارير من منظمات حقوقية إلى قيام دول أوروبية، مثل قبرص، بترحيل أطفال سوريين بتهم واهية مثل كونهم “خطراً على النظام العام”. الكثير من هؤلاء الأطفال ولدوا أو نشأوا في دول اللجوء ولا صلة لهم مباشرة بالنزاع.
حتى بالنسبة للبالغين، فإن العيش في أوروبا لم يعد يعني الاستقرار. حيث يعاني اللاجئون من التهميش الاجتماعي وصعوبات الاندماج، ويعيشون تحت تهديد دائم بالترحيل المفاجئ. بل إن هناك تقارير من النمسا تفيد بأن بعض اللاجئين يتعمدون الفشل في دورات اللغة كشكل من أشكال المقاومة، ظناً منهم أن ذلك قد يؤجل إجراءات ترحيلهم.
الأزمة مزدوجة
من جهته، يعلق الدكتور عمر الناصر، الخبير في شؤون اللاجئين والهجرة، قائلاً: “ما نشهده هو أزمة مزدوجة، أزمة إنسانية مستمرة في سوريا تُنتج نازحين جدداً، وأزمة مبادئ في أوروبا تتخلى عن التزاماتها الدولية تحت ضغوط سياسية داخلية. استخدام التهم الجنائية، الواقعية منها أو المبالغ فيها، كذريعة لترحيل فئات عريضة يشكل خطراً داهماً على حق اللجوء ككل. والاتفاقيات الثنائية للترحيل مع حكومات لم تستقر بعد، وتستمر تحت نيران الاشتباكات المسلحة، تتعارض بوضوح مع مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو حجر الزاوية في القانون الدولي للاجئين. لذلك فإن الخطر الحقيقي هو تحويل اللجوء من حق إنساني إلى صفقة سياسية قابلة للإلغاء”.
في النهاية، تواصل سوريا الجديدة إنتاج موجات من المعاناة الإنسانية بسبب العنف وعدم الاستقرار، بينما تختار أوروبا، التي كانت يوماً ملاذاً، الرد بقسوة متزايدة. هذا المسار لا يهدد فقط حياة آلاف السوريين العالقين بين مطرقة العنف وسندان الترحيل، بل يهدد أيضاً الأسس الأخلاقية والقانونية لنظام حماية اللاجئين العالمي.
شكو ماكو_صحافي و كاتب سياسي_ د. مناف سعد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى